في يومٍ من الأيام، بينما يجلس حسنُ مع أمه وهي تجهز الطعام، وقد فاحت رائحته الجميلة في المنزل كله، وأبوه على وشك العودة من العمل، والسفرة جاهزة لاستقبال أشهى الأطباق، سمع حسنُ طرق الباب.

جرى حسن إلى الباب ظانًّا أنه والده، لكنه حين فتح وجد على الباب رجلًا في ثيابٍ غير مهندمة، ويبدو عليه التعب والحاجة.

نادى حسن أمه على الفور. استأذنت الأم الرجلَ ودخلت هي وحسن، ووضعت ربع دجاجةٍ في علبة، ومعها الأرز والبازلاء، من الذي طبخته لطعام الغداء.

وأعطت العلبة للرجل، فدعا لها وانصرف، وابتسم لحسن، وقال شكرًا لكم، الحمد لله.

سأل حسنُ أمه عما حدث، فقالت له إن هذه هي الصدقة، أن نعطي للمحتاج من أفضل ما لدينا، لأنه عبد الله، الذي أرسله إلينا، لنعطيه مما أعطانا عز وجل، فيعطينا الله حسنات وأجرًا عظيمًا في الدنيا والآخرة.

سألها حسن: من أين عرفنا ذلك يا أمي؟

قالت أمه: من القرآن الكريم يا حبيبي.

قال تعالى: مَثَلُالَّذِينَيُنْفِقُونَأَمْوَالَهُمْفِيسَبِيلِاللَّهِكَمَثَلِحَبَّةٍأَنْبَتَتْسَبْعَسَنَابِلَفِيكُلِّسُنْبُلَةٍمِائَةُحَبَّةٍوَاللَّهُيُضَاعِفُلِمَنْيَشَاءُوَاللَّهُوَاسِعٌعَلِيمٌ”.

حسن: أشعر أن الكلام جميل، لكن ما معنى ذلك يا أمي؟

قالت أمه: أي إن من ينفق ماله لله، ومنه الطعام الجميل، وغيرها من الصدقات الجميلة، فإن الله يعطيه بذلك أجرًا كبيرًا، ويضاعف له أجره، مثل الحبة التي تزرع في الأرض، وهي حبة واحدة، فتخرج سبع سنابل، ثم كل سنبلة من هذه السنابل تنبت مائة حبة، يعني ذلك أ حبة قمح واحدة، أنبتت 700 حبة قمح! أرأيتَ كيف يجزل الله العطاء؟

قال حسن: ذلك كلامٌ عظيم يا أمي! وفهمتُ الصدقة من خلال الآية أكثر من أي شيء، وشعرتُ بحبٍّ عظيم تجاه هذا الخير، وتجاه القرآن الكريم.

أمي.. أريد أن أحفظ ذلك الكتاب العظيم، كتاب الله، وأكون مثلك حافظاً للقرآن الكريم!

حسن طفلٌ مسلم، في السابعة من عمره، يذهب إلى المدرسة ويجتهد فيها، لكنه لا ينسى أهم درسٍ عنده كل يوم، درس القرآن الكريم.

صديقنا حسن يحبالقرآنجدا،قالتلهأمهإنهكلاماللهالذييحبنا، ووعدنا بالأجر الجميل، وبالجنة التي فيها أجرٌ عظيم مخصوص لهؤلاء الذين يحفظون كتاب الله. يريد حسن أن يحفظ القرآن الكريم، ويختمه، لأنه يحب الله، ويحب أهله ويريد إسعادهم.

لكن كانت هناك مشكلة! ما هي يا تُرى؟

يقرأحسنالآية،ثملايتذكرها، تطير من عقله بسرعة، يقرأها مرةً ثانيةً فيتذكرها بصعوبة. قال لوالدته وهو يشكو: ما الحل؟ أريد حفظ القرآن يا أمي ولا أستطيع.

قالت له أمه: تعالَ نجرب أكثر من طريقة، حتى نصل لتلك التي تحفظ بها القرآن جيدًا.

ولكن دعنا أولاً يا صديقي الصغير، نعرف لماذا نحفظ القرآن الكريم. فهل تعرف لماذا يا حسن؟

قال حسن:

لأنه كتاب الله، وكلام الله، الذي أرسله لنا، على يد رسولنا الحبيب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

قالت له أمه: ما أجملك! هذا كلامٌ رائع يا صغيري! وماذا أيضاً؟ أشعر أن لديك المزيد.

فكّر حسن قليلاً وقال:

لأن الذي يحفظه ينال رضا الله، ويكسب الحسنات، والتوفيق في حياته، ورضا الوالدَين اللَذين يحبانه دائماً ويحبهما.

حضنته أمه وقالت له:

رضي الله عنك يا حبيبي، إجاباتك جميلة جدا.

وكذلك نحفظ القرآن لأن كل حرفٍ نقرأه يعطينا الله به حسناتٍ كثيرة، وكل حرفٍ نحفظه نحصل به على حسنات أكبر وأكبر.

ولأنه يهذّب النفس، يعني يجعلك هادئًا، مطمئنًّا، لأن كتاب الله محفوظٌ في صدرك.

ونحفظ القرآن يا صغيري حسن، لأن حافظ القرآن يشفع لصحابه يوم القيامة، يعني أن القرآن، الذي حفظته، يأتي يوم القيامة ويقول يا رب إنه حفظني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اقْرَءُواالْقُرْآنَفَإِنَّهُيَأْتِييَوْمَالْقِيَامَةِشَفِيعًالِأَصْحَابِه”.

ولأنك إذا أردتَّ أن تصير معلماً، أو فناناً، أو طبيباً، أو تاجراً، أو مهندساً، أو أي مهنةٍ في الدنيا

فإن توفيق الله معك سيكون كبيراً، ويعينك على هذا كله، أن تكون حافظاً للقرآن.

والكثير الكثير مما سنفكر فيه لاحقاً ونتعلمه مع الوقت.

والآن يا صغيري، ألم تزِدْ حماستُك لحفظ القرآن الكريم؟

أجابها حسن: بلى يا أمي، حماسة كبيرة جدا، وأشعر بحبٍّ شديد تجاه كتاب الله، وأريد أن أبدأ الحفظ من الآن!

تعالَ إذاً نعرف الطرق المناسبة.

علينا أولاً أن نعتمد على طبعة محددة من المصحف، مصحف واحدٌ سأهديه لك، لتحفظ منه طوال عمرك، وتحفظه في قلبك ويديك، ولا يضيع منك أبداً.

ثانياً: ما رأيك بتحديد وقتٍ جيدٍ للحفظ؟ لا تفعل فيه أي شيء غير الحياة مع كتاب الله الكريم، وبعده تستطيع أن تلعب، وتمارس أنشطتك كما نتفق عليها.

ثالثاً: وقت الصباح الباكر، هو أفضل وقتٍ ليقظة العقل، ولممارسة الحفظ، وللهدوء دون إزعاج أو لهو. فما رأيك بأن نحفظ في الصباح الباكر؟ أو الوقت الأنسب لك؟

قال حسن: بالتأكيد يا أمي، وقت الصباح يكون ذهني صافياً، لأنني أحب اللعب في المساء مع أصدقائي، أو مشاهدة الكارتون.

قالت أمه: اتفقنا يا حبيبي.

والآن رابعاً: يجب قراءة الآية عشرين مرةً حتى نحفظها، قل معي: “قُلْهُوَاللَّهُأَحَدٌ”، “قُلْهُوَاللَّهُأَحَدٌ”، “قُلْهُوَاللَّهُأَحَدٌ”، “قُلْهُوَاللَّهُأَحَدٌ”، “قُلْهُوَاللَّهُأَحَدٌ”.

ما رأيك؟ تشعر بتثبّت الآية في ذهنك، والآن نقرأها خمس مرات، مجددا، وهكذا، حتى تثبت تماماً، ثم ننتقل إلى التي بعدها، وستشعر بالوقت مع القرآن يمر جميلاً، دون ملل، ويمكننا أن نستريح بين الحفظ، لتشرب العصير، أو تأكل حبة فاكهة، وتستريح لدقائق، ثم نكمل.

خامساً: بعد قضاء مدة من الحفظ، سنبدأ في مراجعة ما حفظناه سابقاً، حتى يظل ثابتاً في عقلك، تحب أن يظل القرآن محفوظاً ولا يطير من عقلك أبداً صح؟

قال حسن: أجل يا أمي. أحب أن نحافظ على الحفظ، والمراجعة، ولا بأس أبداً في أن أمنح القرآن جزءاً من وقتي، فالله منحنا الحياة كلها.

حضنته أمه فرحاً بهذه الجملة، وقبلت رأسه، وقالت: هذه بشريات القرآن يا صديقي الصغير.

سادساً: يمكننا أن نسجل قراءتنا معاً، عبر تسجيل الهاتف، ثم تسمعه وأنت تراجع، حتى تعرف المواضع التي أخطأنا فيها أو نسينا آية أو كلمة، وتنتبه لها في المرات التالية، وحتى تعرف كذلك مع الوقت مدى تطور قراءتك بإذن الله.

سابعاً: يمكننا الحفظ من مصحفٍ ميسّر، إن وجدناه سنشتريه بإذن الله، قد تتوافر به ألوان على بعض الكلمات حتى تحفظها جيداً، ويستطيع عقلك تثبيت صورتها أكثر وأكثر، وإن لم نحصل عليه، فلدينا المصحف الذي حفظ منه جميع أهلنا وأحبابنا من أهل القرآن الكريم.

ثامناً: ما رأيك بكتابة الآيات التي تحفظها؟ هكذا ستحفظها يدك أيضاً، بالإضافة إلى عقلك ولسانك وعينك، مما سيزيد من تثبيتها لديك.

وقد تظن يا حبيبي أن هذه واجبات كثيرة، لكن حين نبدأ في الحفظ، ستشعر بها أسهل مما تتخيل، وأن لدينا ساعةً مثلا للحفظ، سيعيننا الله فيها على حفظ المقرر علينا، فاستعن بالله، وتذكر أننا نحفظ كتاب الله، ربنا العظيم الذي يحفظنا ووعدنا بالثواب العظيم.

تاسعاً: سأحكي لك، وسنعرف معاً، تفسير هذه الآيات، حتى تكون فاهماً وحافظاً، وحتى يسهُل عليك الحفظ، وتثبت الآيات في عقلك وأنت تعرف معانيها، فنحن المسلمون مأمورون باتباع هذا القرآن الكريم، وهو منهجنا في الحياة كلها.

عاشراً وأخيراً: يمكننا كذلك المتابعة، في هذا كله، مع معلمٍ أو معلمةٍ عبر الإنترنت، من معلمي القرآن في منصة “اقرأ”، من حفظة القرآن الكريم، الذين حصلوا على إجازة من كبار معلمي القرآن الكريم، في تحفيظ المسلمين كتابَ الله الكريم، وهم سيحددون الزمان المناسب، والطريقة الجميلة المناسبة، ويفعلون هذا كله وأكثر، وهم مجيدون في التلاوة والتجويد، وتلقوا حفظهم على أيدي أهل القرآن الكريم. ويجب علينا الالتزام بما يقولونه لنا. فما رأيك يا صغيري؟

قال حسن وهو يقوم ويقبل يد أمه: أجل أجل، هيا نفعل ذلك اليوم يا أمي.